أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
176
العقد الفريد
المؤمنين . فأمر به خالد فضرب مائة سوط قبل أن يقرأ كتاب سليمان ؛ فبعث القاضي ابنه المضروب إلى سليمان ؛ وبعث ثيابه التي ضرب فيها بدمائها ؛ فأمر سليمان بقطع يد خالد فكلمه يزيد بن المهلب وقال : إن كان ضربه يا أمير المؤمنين بعد ما قرأ الكتاب تقطع يده ، وإن كان ضربه قبل ذلك فعفو أمير المؤمنين أولى بذلك . فكتب سليمان إلى داود بن طلحة بن هرم : إن كان ضرب الشيخ بعد ما قرأ الكتاب الذي أرسلته فاقطع يده ، وإن كان ضربه قبل أن يقرأ كتابي فاضربه مائة سوط . فأخذ داود بن طلحة - لما قرأ الكتاب - خالدا فضربه مائة سوط ؛ فجزع خالد من الضرب فجعل يرفع يديه ؛ فقال له الفرزدق : ضم إليك يديك يا بن النصرانية ! فقال خالد : ليهنأ الفرزدق ، وضمّ يديه . وقال الفرزدق : لعمري لقد صبّت على متن خالد * شآبيب لم يصببن من صيّب القطر « 1 » فلو لا يزيد بن المهلّب حلّقت * بكفّك فتخاء الجناح إلى الوكر « 2 » فردّت أمّ خالد عليه تقول : لعمري لقد باع الفرزدق عرضه * بخسف وصلى وجهه حامي الجمر فكيف يساوي خالدا أو يشينه * خميص من التّقوى بطين من الخمر « 3 » وقال الفرزدق أيضا في خالد القسري : سلوا خالدا ، لا قدّس اللّه خالدا * متى ملكت قسر قريشا تدينها ؟ أقبل رسول اللّه أو بعد عهده ؟ * فتلك قريش قد أغثّ سمينها رجونا هداه ؛ لا هدى اللّه قلبه * وما أمّه بالأمّ يهدى جنينها فلم يزل خالد محبوسا بمكة حتى حج سليمان وكلمه فيه المفضّل بن المهلب ؛ فقال سليمان : لاطت « 4 » بك الرحم أبا عثمان ؛ إن خالدا جرّعني غيظا ! قال : يا أمير
--> ( 1 ) شآبيب : جمع شؤبوب : وهي الدفعة من المطر . ( 2 ) الفتخاء : الناقة ونحوها ترتفع أخلافها قبل بطنها . ( 3 ) الخميص : الذي خلا بطنه وضمر . ( 4 ) لاط بالشيء : لصق به .